يشكّل مبدأ الرأفة في التشريع الجنائي إحدى الآليات التي تهدف إلى تحقيق قدر من المرونة في تطبيق العدالة، بحيث يمكن تخفيف الأحكام الصادرة بحق الجناة في بعض الحالات الاستثنائية. وقد منح المشرّع المصري القاضي سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة في ظروف معينة من خلال ما يُعرف بمواد الرأفة، وعلى رأسها المادة 17 من قانون العقوبات.
ورغم أن الغاية من هذه السلطة تتمثل في تحقيق التوازن بين جمود النص القانوني وخصوصية كل واقعة، فإن تطبيقها يثير أحيانًا إشكاليات قانونية واجتماعية، خاصة في القضايا المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي. ففي هذا النوع من القضايا قد تتقاطع بعض الثغرات القانونية مع الوصم المجتمعي بحق الضحايا، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى الإفلات الجزئي من العقاب أو إلى تخفيف الأحكام بصورة قد تشجع على استسهال ارتكاب الجريمة، لا سيما في الجرائم التي يُشار إليها اجتماعيًا بـ “جرائم الشرف” أو جرائم قتل النساء.
أبرز مواد الرأفة التي تمنح القاضي سلطة تقديرية
تعد المادة 17 من قانون العقوبات المصري أبرز النصوص التي تمنح المحكمة سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة، إذ تتيح لها استبدال العقوبة المقررة قانونًا بعقوبة أخف درجة. غير أن هذه السلطة قد تثير إشكاليات في التطبيق العملي، خاصة في الحالات المتشابهة التي تختلف فيها الأحكام تبعًا لنوع المتهم، سيدة أم رجل.
ففي بعض القضايا التي تكون المتهمة فيها امرأة، قد لا تُطبق الرأفة بذات الدرجة التي تُطبق بها في قضايا أخرى مشابهة يكون المتهم فيها رجلًا، رغم تشابه الظروف والدفوع القانونية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى اتساق تطبيق العدالة الجنائية ومدى تأثرها بالتصورات الاجتماعية المرتبطة بالنوع الاجتماعي.
الثغرات القانونية المرتبطة باستخدام مواد الرأفة
على الرغم من أهمية السلطة التقديرية للقاضي في تحقيق العدالة الفردية، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن بعض الإشكاليات. فحتى الآن لا يوجد معيار تشريعي واضح أو محدد يضبط نطاق تطبيق الرأفة أو يضع ضوابط دقيقة لاستخدامها، مما يمنح القاضي مساحة واسعة لتقدير الواقعة وتخفيف العقوبة وفقًا لما يراه ملائمًا لظروف الجاني، استنادًا إلى المادة 17 من قانون العقوبات.
سياسة تطبيق الرأفة في جرائم العنف ضد النساء
في بعض القضايا المرتبطة بالعنف الأسري أو بما يسمى “جرائم الشرف”، قد تُستخدم مواد الرأفة لتخفيف العقوبة. ويرتبط ذلك أحيانًا بتفسيرات اجتماعية أو ثقافية لسلوك الجاني، مثل اعتبار الجريمة نتيجة “لحظة غضب” أو نتيجة ضغوط اجتماعية. كما قد يؤثر تنازل أسرة الضحية عن الحق المدني في بعض القضايا، خاصة في جرائم القتل، على تقدير المحكمة للعقوبة.
ضعف النصوص الخاصة بحماية الضحايا
يمثل ضعف الإطار القانوني المتعلق بحماية الضحايا والناجيات أحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر في فعالية تطبيق العدالة الجنائية، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالعنف الأسري أو العنف الجنسي.
فعلى الرغم من وجود نصوص تجرّم هذه الأفعال في قانون العقوبات المصري، فإن آليات حماية الضحايا ما تزال تعاني من بعض القصور التشريعي والإجرائي. كما أن جرائم العنف الأسري أو الجنسي غالبًا ما تقع في نطاق خاص أو مغلق، مما يؤدي إلى غياب شهود الإثبات في كثير من الحالات. وبالتالي يعتمد الإثبات في الغالب على شهادة الضحية والتقارير الطبية.
ونتيجة لذلك، قد يؤدي نقص الأدلة أو صعوبة توثيق الواقعة إلى إضعاف موقف الادعاء، وهو ما قد ينعكس بدوره على تقدير المحكمة للواقعة وعلى الحكم الصادر فيها.
التحيز الجندري في تطبيق القانون
قد يظهر التحيز الجندري في بعض الحالات من خلال الصور النمطية المرتبطة بالنساء، مثل تقييم سلوك الضحية أو نمط حياتها أو مظهرها. كما قد تتفاوت العقوبات في بعض القضايا نتيجة اعتبارات اجتماعية يُنظر إليها باعتبارها مبررة أو مخففة لمسؤولية الجاني.
ومن الأمثلة على ذلك حكم سابق صادر عن محكمة مستأنف جنايات الجيزة بقبول استئناف متهم بقتل زوجته على الحكم الصادر ضده بالسجن المؤبد، وتعديل العقوبة إلى السجن لمدة سبع سنوات، بعد تعديل وصف الاتهام من قتل عمد إلى ضرب أفضى إلى الموت، وهو ما منح المحكمة مجالًا لتخفيف العقوبة.
تهدف مواد الرأفة في قانون العقوبات المصري إلى تحقيق قدر من العدالة المرنة التي تراعي خصوصية كل واقعة. غير أن استخدامها في بعض السياقات قد يؤدي إلى نتائج إشكالية، خاصة في قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، عندما تتداخل السلطة التقديرية للقاضي مع الثغرات القانونية والتصورات المجتمعية السائدة.
ومن ثم يظل تحقيق التوازن بين سلطة القاضي التقديرية وضمان حماية فعّالة للضحايا تحديًا أساسيًا في تطوير منظومة العدالة الجنائية، الأمر الذي يستلزم تعزيز النصوص القانونية الخاصة بحماية الضحايا، وتطوير آليات الإثبات، وتوفير الدعم القانوني والنفسي للمتضررين، بما يسهم في تحقيق عدالة أكثر إنصافًا وفعالية.

